عشاق الله

التسامح في الإسلام

  التسامح في الإسلام

إذا نحن حاولنا التعرف على الإسلام عن قرب سنجد أن القرآن الكريم لم ينفك يدعو للتسامح، و تجنب العنف و أسبابه، و الحرب و ويلاتها، و قبول الآخر في اختلافه، و من ثمة الدعوة إلى التساكن الحضاري بين جميع الشعوب و اللأعراق البشرية، و ذلك مصداقا لقوله في سورة الحجرات:
ٍٍِِ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } سورة الحجرات 13

و في هذا السياق نستحضر ما ذكره القرآن عن موقف هابيل من أخيه قابيل الذي أراد أن يقتله غيرة و حسدا، و كيف كان رد فعل هابيل مثالا للتسامح المبني على تقوى الله حيث نقرأ في سورة المائدة:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} سورة المائدة 27-30

و ما يهمنا أساسا في هذه الآية الكريمة هو رمزيتها العميقة، إذ يتم فيها من هذه الناحية تقسيم بني آدم إلى فئتين، فئة ظالمة، وفئة مظلومة؛ فئة باغية بالإثم، وفئة تتقي الله، حيث يمثل قابيل الفئة الأولى أي الفئة الظالمة الباغية، بينما يمثل هابيل الفئة الثانية أي الفئة المتقية المظلومة. لكن الآية تؤكد كذلك على العبرة التي ينبغي أن يستخلصها المسلم من هذه الحكاية، والتي تتلخص في رد هابيل على تهديد أخيه قابيل له بالقتل "لأقتلنك"فهو لم يرد عليه بتهديد مماثل، أو كلام عنيف، بل اتخذ موقفا كان ولا زال غاية في التسامح: "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ"

و موقف هابيل في القرآن يذكر بموقف سيدنا عيسى من العنف حيث يقول في متى 26 غداة القبض عليه مخاطبا الذي ضرب عبد رئيس الكهنة:{رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى غِمْدِهِ! فَإِنَّ الَّذِينَ يَلْجَأُونَ إِلَى السَّيْفِ، بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ}.

كما يمكننا أيضا تأصيل موقف رسول الإسلام من وحشي قاتل عمه حمزة داخل نفس السياق، أي سياق التسامح وعدم المعاملة بالمثل، فالكل يعرف قصة قتل وحشي لحمزة الملقب بأسد الله وما كان من تمثيله بجثته. وكلنا يعرف أيضا حزن الرسول الشديد على عمه. مع ذلك لا نملك إلا أن نفاجأ بمعاملة الرسول لوحشي عندما وفد عليه، وهو الخبر الذي يرويه الطبراني في الكبير ( 22/139) بإسناد حسن، و فيه يقول وحشي: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : وحشي ؟ قلت : نعم ، قال : قتلت حمزة ؟ قلت : نعم ، و الحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يهني بيده ، فقالت له قريش – أي للنبي - : أتحبه و هو قاتل حمزة ؟ فقلت : يا رسول الله فاستغفر لي ، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض ثلاثة ، ودفع في صدري ثلاثة و قال : وحشي أخرج.

و في مجال العقيدة نقرأ في القرآن الآيات التالية على سبيل الخطاب لرسول الإسلام:
{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}سورة النحل 125
{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }سورة البقرة 256 (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
و يحث القرآن على الترفق و استعمال اللين مع الطرف الآخر بقوله:
{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} سورة طه 44
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}سورة آل عمران 159
{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} سورة الغاشية22

كل هذه الآيات واضحة في أن الدعوة للإسلام لا تنبني أساسا على الإكراه، أو التهجم على معتقدات الآخرين، أو تسفيه أفكارهم، بل على التسامح، و القول الجميل، و تجنب أسباب العنف، و كل الأفعال المنكرة التي يمارسها البعض باسم الدعوة للإسلام اليوم من ترهيب و تكفير و هدر لدماء الأبرياء.

أما في مجال المعاملات بين بني البشر، سواء كانوا أفرادا أو جماعات صغيرة، أو دولا فالقرآن يحث حثا على مزايا العفو و الصلح و التسامح، حيث نقرأ:
{ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} سورة البقرة 237
وأيضاً: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} سورة النحل 126
ويحث على فعل الخير في مواجهة الشر بقوله:
{أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} سورة القصص 54
ويقول: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} سورة فصلت 34

و هو قول يذكر بتعليم السيد المسيح حين يقول في متى 6

أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ؛ أَحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ؛ 28بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ؛ صَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. 29وَمَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ، فَاعْرِضْ لَهُ الْخَدَّ الآخَرَ أَيْضاً. وَمَنِ انْتَزَعَ رِدَاءَكَ، فَلاَ تَمْنَعْ عَنْهُ ثَوْبَكَ أَيْضاً. 30أَيُّ مَنْ طَلَبَ مِنْكَ شَيْئاً فَأَعْطِهِ؛ وَمَنِ اغْتَصَبَ مَالَكَ، فَلاَ تُطَالِبْهُ. 31وَبِمِثْلِ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يُعَامِلَكُمُ النَّاسُ عَامِلُوهُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً. 32فَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَحَتَّى الْخَاطِئُونَ يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ! 33وَإِنْ أَحْسَنْتُمْ مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ مُعَامَلَتَكُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَحَتَّى الْخَاطِئُونَ يَفْعَلُونَ هَكَذَا! 34وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَأْمُلُونَ أَنْ تَسْتَوْفُوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَحَتَّى الْخَاطِئُونَ يُقْرِضُونَ الْخَاطِئِينَ لِكَيْ يَسْتَوْفُوا مِنْهُمْ مَا يُسَاوِي قَرْضَهُمْ. 35وَلكِنْ، أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا الْمُعَامَلَةَ، وَأَقْرِضُوا دُونَ أَنْ تَأْمُلُوا اسْتِيفَاءَ الْقَرْضِ، فَتَكُونَ مُكَافَأَتُكُمْ عَظِيمَةً،}

و نقرأ في القرآن أيضا ما يؤكد هذا القول على شكل خطاب موجه إلى رسول الإسلام: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة الممتحنة 7

هكذا نكون قد أخذنا فكرة واضحة عن الوجه الآخر للإسلام؛ الوجه الذي يدعو إلى المحبة و الود و التساكن و التسامح، والذي طالما حاول الجهلة و الحاقدون و العنصريون و ذوو النيات المبيتة تغييبه خدمة لأغراضهم الدنيئة، و بثا للتفرقة بين بني البشر.
=============================