عشاق الله

الحرية وحدودها

نادر عبد الأمير

تؤكد دعوة سيدنا عيسى على مبدأ الحرية، وهذه الدعوة إلى الحرية واضحة للعيان وضوح الشمس بين ثنايا الكتاب المقدس. فالإنسان بطبعه يميل دوما إلى الحرية، ويمقت محدودية القيود والأغلال. لذلك كانت الحرية في قلب رسالة السيد المسيح، هو الذي أطلق دعوته جاهرا بالنداء: «رُوحُ اللهِ عليّ، فقد اختارَني لأُبَشِّرَ المَساكينَ، وأُعلِنَ فَكَّ أسرِ المُقَيَّدينَ، وأجعَلَ العُميَ مُبصِرينَ، وأُنصِفَ جَميعَ المَظلومينَ،وأُعلِنَ زَمَنَ حُلولِ الرِّضى مِن رَبِّ العالَمينَ» (لوقا 4: 18). وفيما يلي سأتطرق إلى الحرية كتحرر من عبودية المعصية والنفس الأمارة بالشهوات، ثم أتطرق بعدا إلى حدود الحرية في المسيحية.

1. الحرية من عبودية المعصية والنفس الأمّارة:

يقول سيدنا عيسى في الإنجيل الشريف «الإنسانُ عَبدٌ للخَطيئةِ الّتي يَرتكِبها» (يوحنا 8: 34).

إن الإنسان المشمول بنعمة الله أو بفضله الله كما يقول إخواننا المسلمون (لأن الفضل هو المرادف الإسلامي لمفهوم النعمة في المسيحية) قد امتلك بفضل تلك النعمة حرية الفعل والاختيار والتقرير. وما من شخص إلا ويميل لطاعة الله والتصرف حسب رضاه تعالى، ولكن الإنسان ضعيف أحيانا كثيرة أمام النفس الأمارة بالسوء واتباع الشهوات. لكنه إن هو اتبع هواه وأخطأ، فالخطأ يكون ناتجا عن حريته، ولعل هذا ما يجعل المؤمن في صراع دائم مستميت مع نفسه الأمارة بالسوء محاولا الانتصار عليها، لأن للمؤمن نصيب من الروح القدس الذي يعمل على إرشاده للطريق المستقيم، كما أن صلته بالله تعالى تجعله حسب قوة هذه الصلة يشعر بالمسؤولية. كذلك يقوده نور كلمة الله حسب قوة تشبته بها ليبحرعبر تلاطم موج الشهوات والشرور إلى مرفأ الطهر والأمان.  

لقد ضرب لنا الكتاب في قصة المرأة السامرية مثلا لوقوع الإنسان فريسة المعصية حيث لا يعود يعرف طعما للتحرر من هذه المعصية على الإطلاق لكونه أساء استخدام الحرية في البداية. هكذا نقرأ أن المرأة السامريه كانت تذهب إلى البئر كل يوم لتستقي الماء منه دون أن تشعر بالارتواء، لأنها لم تعرف معنى الارتواء الحقيقي الذي يرمز في الحكاية إلى الحرية الحقيقية. لكنها سوف تعرف معنى الارتواء الحقيقي بعد قبولها دعوة سيدنا عيسى. فمياه هذا العالم بالمعنى المادي الدنيوي لا تروي أحدا لأن من يشرب منها يَعْطَشُ أبدا بل يزداد بسبب ملوحتها عطشا، أي أن من يتبع شهواته ونفسه الأمارة يكون تحت سلطانها أبدا.

«فأجابَها سَيّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) ‹:كُلُّ مَن يَشرَبُ مِن ماءِ هذِهِ البِئرِ يَعطَشُ ثانية وأما مَن يَشرَبُ مِن الماءِ الّذي أمنَحُهُ، فلا يَعطَشُ أبدًا، بل يَظَلُّ هذا الماءُ مُتَدفِّقًا في داخلِهِ يَبعَثُ فيهِ الخُلودَ›. فقالَت لهُ المَرأةُ: ‹فأَعطِني يا سَيّدي مِن هذا الماءِ، فلا أعطَشَ أبدًا ولا أحتاجَ لوُرُودِ هذِهِ البِئرِ ثانية›.» (يوحنا 4: 13- 15)

إن المؤمن قد تحرر من عبودية المعصية لهذا فهو يعيش الحرية كما ينبغي أن تكون مصداقا لقول الإنجيل الشريف: «فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا.» (يوحنا 8: 36).

ويقول الرسول بولس «فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا» (الرسالة إلى أهل غلاطية 5: 1).

2. حدود الحرية كمسؤولية في  السير على خطى المسيح:

مخطئ من يعتقد أن الحرية المسيحية بلا حدود أو قيود، بل مخطئ من يعتقد أن هناك في الوجود حرية مطلقة بلا حدود أو قيود.  إن الإنسان كائن حر، لذلك فهو مدعو لاستخدام العقل، واختيار ما يقوده إليه تفكيره بحرية، لكنه يتحمل خلال ذلك مسؤولية اختياره. وتصل حرية الإنسان قمة تعبيرها في موقفه من الإيمان بالله واستجابته لدعوة طاعته تعالى، فالله يرسل أنبياءه ورسله بالدعوة للإنسان، وهو مخير في قبول الدعوة أو رفضها، ولكن يجب عليه أن يتحمل في ذلك مسؤولية مواقفه التي يتخذها بكامل الحرية. فالله يدعونا إليه بالتي هي أحسن ولا يفرض كلمته على أحد مصداقا لقوله في سفر التثنية «أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ الْيَوْمَ بَرَكَةً وَلَعْنَةً: الْبَرَكَةُ إِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ. وَاللَّعْنَةُ إِذَا لَمْ تَسْمَعُوا لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمْ، وَزُغْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتَذْهَبُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا» (سفر التثنية 11: 26- 28) ويقول أيضا في نفس السفر «اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْم قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ…  قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْت وَنَسْلُكَ» (سفر التثنية 30: 15 و19). ويقول كذلك في سفر أشعياء «إِنْ شِئْتُمْ وَسَمِعْتُمْ تَأْكُلُونَ خَيْرَ الأَرْضِ. وَإِنْ أَبَيْتُمْ وَتَمَرَّدْتُمْ تُؤْكَلُونَ بِالسَّيْفِ». لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ». (أشعياء 1: 19- 20)

ويقول سيدنا عيسى في الإنجيل الشريف لأتباعه: «مَن أرادَ أن يُصبِحَ مِن أتباعي، فعَلَيهِ أن يَتَخَلّى عن رَغَباتِهِ، وأن يُضَحّيَ بنَفسِهِ». (لو9: 23) وفي سفر الرؤيا ليوحنا نقرأ: «ها أنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي». (رؤ3: 20).

هكذا نرى الله تعالى أعطى حرية الإرادة والاختيار للإنسان حتى في استخدامه تلك الحرية في رفض رسالته تعالى أو رفض الإيمان به… لكنه لا يفتأ تعالى يذكرنا بأنها حرية محدودة بحدود المسؤولية.