عشاق الله

على أبواب الميلاد: عادات وتقاليد

 

شرح بعض عادات وتقاليد عيد الميلاد

 

من منّا لا ينتظر عيد الميلاد بلهفة ؟
من منا لا يشتاق لرؤية مغارة وشجرة الميلاد؟
من منا لاينبهر لرؤية الأضواء تتلألأ في البيوت وعلى الطرقات؟
كلّ هذه المظاهر تمهّد لعيد الميلاد وتجعل من ليلة العيد أجمل ليالي السنة حيث تجتمع العائلة حول مائدة المحبّة.

لكنّ هذه المظاهر تحمل في  العيد من المعاني النبيلة التي أُهملت، مع الأسف، لصالح الاهتمام الخارجي بالعيد على حساب روحانية العيد وجوهره.
لذا ارتأينا أن نحاول شرح بعض هذه المظاهر والعادات لإعادة الاعتبار إلى المعاني الحقيقية التي تجسّدها.

1- مغارة عيد الميلاد

في الواقع، لوقا هو الإنجيليّ الوحيد الذي ذكر مكان ميلاد المسيح :" وصَعِدَ يوسُفُ مِنَ الجَليلِ مِنْ مدينةِ النـاصِرَةِ إلى اليهوديَّةِ إلى بَيتَ لَحمَ مدينةِ داودَ، لأنَّهُ كانَ مِنْ بَيتِ داودَ وعشيرتِهِ، ليكتَتِبَ معَ مَريمَ خَطيبَتِهِ، وكانَت حُبلى. وبَينَما هُما في بَيتَ لَحمَ، جاءَ وَقتُها لِتَلِدَ، فولَدَتِ اَبنَها البِكرَ وقَمَّطَتْهُ وأضجَعَتهُ في مِذْودٍ، لأنَّهُ كانَ لا مَحَلَ لهُما في الفُندُقِ." (لوقا 2 : 4-7)
لم يذكر لوقا المغارة بل المذود لكن التقليد المعتمد في أورشليم (مدينة القدس) اعتبر إحدى المغائر التي كانت تستعمل كاسطبل حيوانات كمكان لولادة المسيح وعلى أساسه شيّدت كنيسة المهد في بيت لحم.
وهناك بعض الآثار التي تعود إلى القرون الثالث والرابع تظهر رسم لميلاد المسيح مع الرعاة والمجوس والرعيان.
أما المغارة كما نعرفها اليوم، فيعود الفضل في إطلاقها إلى القديس فرنسيس الأسيزي الّذي قام بتجسيد أول مغارة حيّة (أي فيها كائنات حيّة) في ميلاد سنة 1223ب.م وانتشرت بعدها بسرعة عادة تشييد المغائر الرمزيّة في الكنائس وخارجها.
والمغارة التقليديّة تحتوي على :


† يسوع المسيح طفلاً : وهو صاحب العيد.
† يوسف ومريم : رمزا الإنسانيّة كلّها حيث الرجل والمرأة هما معاً "صورة الله ومثاله" كما ورد في سفر التكوين :" فخلَقَ اللهُ الإنسانَ على صورَتِه، على صورةِ اللهِ خلَقَ البشَرَ، ذَكَرًا وأُنثى خلَقَهُم" (تك 1: 27).
† الرعاة : وهم يمثّلون فئة الفقراء والبسطاء كونهم أفقر طبقات الشعب في تلك الأيام. يضاف إلى ذلك أنهم يذكّروننا أن المسيح هو الراعي الحقيقي الّذي خرجَ من نسل الملك داود، الملك الّذي وُلِدَ راعيا.ً
† المجوس : وهم يمثلون فئة المتعلمين والأغنياء الّذين لا قيمة لما يملكونه أو يعلمونه إن لم يقدهم إلى المسيح. كما أنّهم يذكّروننا أيضاً بالمسيح الّذي هو ملك الملوك.
† النجمة : وهي رمزُ للنجمة التي هدت المجوس إلى المسيح، ولنور المسيح المتجسد.
† البقرة : وهي رمزُ الغذاء الماديّ الّذي لا بدّ منه للإنسان، لا ليعيش من أجله وإنما ليساعده ليعيش ويتمكن من خدمة الإله الحقيقي، وهذا رمزُ البقرة التي تقوم بتدفئة المسيح.
† الحمار: وسيلة النقل البري الأساسية لدى عامّة الناس. وهو أيضاً رمزالصبر واحتمال المشقات في سبيل الإيمان وفي خدمة المخلّص.
† الخواريف : وسيلة للغذاء والتدفئة. وترمز بشكلٍ خاص إلى الوحدة الضرورية في جماعة المؤمنين، التي تحافظ على دفء الإيمان في قلوبهم.
† الملائكة : يرمزون إلى حضور الله الفعال بين الناس على أن لا تعيقه قساوة القلوب وظلمة الضمائر .
هذه هي العناصر الأساسية ويمكن أن يضاف إليها عناصر أخرى وفق الاستخدام المحلي والمناطقي، على أن تأخذ بعين الاعتبار أمرين :
† الانسجام مع معاني الفقر والبساطة المتجسدة في المغارة.
† الهدف الأساسي من المغارة ليس الزينة والديكور وإنما اجتماع العائلة حولها للصلاة في زمن الميلاد.

2- شجرة عيد الميلاد

لا يرتبط تقليد شجرة الميلاد بنص من العهد الجديد بل بالأعياد الرومانية وتقاليدها التي قامت المسيحية بإعطائها معانٍ جديدة.
فقد استخدم الرومان شجرة شرابة الراعي كجزء من زينة عيد ميلاد الشمس التي لا تقهر:
ومع تحديد عيد ميلاد الرب يوم 25 كانون الأول (راجع المقال حول هذا الموضوع)، أصبحت جزءاً من زينة الميلاد وتمّ اعتبار أوراقها ذات الشوك رمزاً لإكليل المسيح، وثمرها الأحمر رمزاً لدمه المهراق من أجلنا.
حتى أن تقليداً تطوّر حول هذه الشجرة انطلاقاً من حدث هروب العائلة المقدّسة إلى مصر. فقد تم تناقل روايةٍ مفادها أن جنود هيرودوس كادوا أن يقبضون على العائلة المقدّسة، غير أن إحدى شجرات الراعي مدّدت أغصانها وأخفت العائلة. فكافأها الربّ بجعلها دائمة الخضار، وبالتالي رمزاً للخلود.
بالطبع، ليست هذه القصّة حقيقية وإنما أتت كجزءٍ من محاولات إضفاء الطابع المسيحي على عيدٍ كان بالأساس وثنيّاً.
أما استخدام الشجرة فيعود حسب بعض المراجع إلى القرن العاشر في انكلترا، وهي مرتبطة بطقوس خاصّة بالخصوبة، حسب ما وصفها أحد الرحّالة العرب. وهذا ما حدا بالسلطات الكنسيّة إلى عدم تشجيع استخدامها.
ولكن هذا التقليد ما لبث أن انتشر بأشكالٍ مختلفة في أوروبا خاصّة في القرن الخامس عشر في منطقة الألزاس في فرنسا حين اعتبرت الشجرة تذكيراً ب"شجرة الحياة" الوارد ذكرها في سفر التكوين، ورمزاً للحياة والنور (ومن هنا عادة وضع الإنارة عليها). وقد تمّ تزيين أول الأشجار بالتفاح الأحمر والورود وأشرطة من القماش.
وأول شجرةٍ ذكرت في وثيقةٍ محفوظة إلى اليوم، كانت في ستراسبورغ سنة 1605ب.م.
لكن أول شجرةٍ ضخمةٍ كانت تلك التي أقيمت في القصر الملكي في إنكلترا سنة 1840ب.م. على عهد الملكة فيكتوريا، ومن بعدها انتشر بشكلٍ سريع استخدام الشجرة كجزءٍ أساسيّ من زينة الميلاد.

3- ألوان عيد الميلاد : الأحمر،الأخضر، الأبيض والذهبي

الأحمر: يرمز إلى الدفء الّذي يتجلّى في اللقاءات العائليّة، وإلى القوة في مواجهة الصعاب لكون العديد من الأشجار أو النباتات الشتوية تعطي أزهاراً أو ثماراُ من هذا اللون( مثلاً Fleur de NOEL).
الأخضر : رمزٌ للحياة والخلود رغم الصعاب؛ وهو أيضاً رمزٌ للأمل لأنه يحمل بذاته الوعد بقدوم الربيع.
الأبيض : لون الثلج وهو رمزٌ للنقاوة والطهارة التي يجسّدها طفل المغارة وكلّ الأطفال.
الذهبي : يرمزُ بشكل خاص إلى "نجمة الشمال" التي هدت المجوس إلى المسيح، ويجسّد الضوء والرجاء والتفاؤل.

4- Bûche de Noël

اسمها الأوروبي Yule يعود لأصولٍ شماليّة أو إنكليزيّة ومعناها الاعتدال الشتوي.
يرتبط استخدامها بعيد ميلاد الشمس لدى الرومان حيث كان يكثر استخدامها لإيقاد النيران كون الاحتفال بالأساس احتفال محوره النار. والسبب الثاني لتساعد رمزيّاً الشمس كي تولد. والسبب الثالث وهو البديهي، تأمين الدفء في موسم البرد. وقد اعتبرها الرومان رمزاً للسلام.
أما لدى السلتيين فكانت ترمز إلى الحياة الأبديّة.
هذا البعد الوثني جعل المسيحية تبتعد عن استخدامها لفترة طويلة، غير أنها ما لبثت أن عادت إلى الاستخدام بعد أن أعطيت بعداً مسيحيّاً وهو أنها ترمز لخشبة الصليب.
وارتبط استخدامها في أوروبا بالبعد العائلي. فكان يتمّ اختيار عودٍ كبير من الخشب، يضعه في الموقد، ليلة الميلاد، ربّ العائلة على أن يشتعل على نارٍ هادئة حتى يوم رأس السنة.
ويعود طابعها المقدّس لكون احتراقها يرمز للتطهير من الخطايا، لذا كان المتبقّي من الرماد يرشّ حول المنزل كعربون للبركة.
ومع أنها لم تعد تستخدم في المواقد لكنها رمزها يبقى موجوداً من خلال نوع الحلوى الخاصّ بعيد الميلاد والمدعو Bûche de Noël.

5- بابا نويل

في التقاليد الجرمانيّة، كان الأطفال ينتظرون الإله تهورThor الّذي كان يأتي ليلة عيد الYule، في 25 كانون الأول، ويزور البيوت التي حضّرت له المذبح الخاص به (وهو موقد النار) ويحضر الهدايا إلى الأطفال الّذين علقوا أحذيتهم الخشبيّة على الموقد.
ومع المسيحيّة، اشتهرت شخصيّة القديس نقولا (Santa Claus) الّذي كان يوزّع العطايا على الفقراء.
وقد اندمجت الصورتان في أوروبا مع طغيان فكرة العطاء المجاني.
أما الصورة الحديثة لبابا نويل، فقد ولدت على يد الشاعر الأميريكي كلارك موريس الّذي كتب سنة 1823 قصيدة بعنوان "الليلة التي قبل عيد الميلاد" يصف فيها هذا الزائر المحبّب ليلة عيد الميلاد.
وفي عام 1860، قام الرسام الأميريكي بإنتاج أول رسمٍ لبابا نويل، كما نعرفه اليوم، بالاستناد إلى القصص الأوروبية حوله.واشتهرت، على أثر ذلك هذه الشخصية في أميركا وبعدها في أوروبا، ثمّ في سائر أقطار العالم.
لكن يجدر لفت النظر أن بابا النويل وهداياه أخذت من الشهرة ما هدّد في وقت من الأوقات معنى العيد الحقيقي حتى بات عدد كبير من الأطفال يعتبرون عيد الميلاد كعيد بابا نويل وليس عيد ميلاد الرب يسوع. من هنا يجدر بنا التنبّه إلى تنشئة أطفالنا الروحيّة، قبل الاهتمام بالهدايا والزينة وسائر الأمور.

6- الألحان الميلاديّة

أوائل الألحان الميلادية تعود للقرن الرابع ومنها Vox Clara و Christe Redemptor. في القرن الخامس A Solis ortu. أما Adeste Fideles الشهيرة فتعود للقرن السابع عشر.

7- الهدايا والبطاقات

كانت هذه العادات منتشرة أيام الاحتفالات الرومانيّة.
لكن تبادل الهدايا في عيد الميلاد لم يصبح عادة دائمة في عيد الميلاد إلا في القرن السابع عشر وهي ترمز، في الأساس، للهدايا التي قدّمها المجوس ليسوع (أتلاحظون كم ابتعدنا عن الجوهر ؟)
أما بطاقات المعايدة إلى الأصدقاء فتعود إلى سنة 1843 حين طلب السير هنري كول الإنكليزي من ج.ك. هورسلي تصميم بطاقات ميلاديّة ليرسلها إلى أصدقائه. وانتشرت على إثر ذلك هذه العادة وأضحت تقليداً ثابتاً.

خاتمة

في النهاية، وبعد هذا العرض، خلاصتان :
1- يبقى الأساس أن نتذكر جوهر عيد الميلاد، فنفتح قلوبنا للربّ الآتي ليساعدنا لننفتح على الآخرين ونتضامن معهم في الحزن والألم والشدّة والفقر كما فعل الرب معنا حين أخذ ضعفنا ليمنحنا قوّته.
2- إن كون بعض العادات مستوحًى من ديانات أخرى لا يجدر به أن يشككنا فهذا جوهر سرّ التجسّد الّذي يدعونا لنعطي معنى أجمل وأسمى لكلّ ما نراه أو نستخدمه، فنعمّده بإيماننا ويضحي وسيلة لبشرى الخلاص بالمسيح يسوع.

الخوري نسيم قسطون