عشاق الله

المسيحيون العرب.. لماذا يُظلمون؟

 

القول ان المسيحيين العرب "أقلية" ينطوي على خطأ من ثلاث نواح على الأقل. الأول، هو انه يتجاهل كونهم عرب، والعرب أغلبية في أوطانهم. و"أقلنة" المسيحيين، انما "تؤقلن" عروبتهم وتسعى الى تصغيرها (وهذه بالأحرى خطيئة، لا مجرد خطأ). والثاني، هو انه يضعهم على هامش التاريخ في المنطقة، وهم الذين ظلوا في قلبه، ولعبوا دورا فكريا رياديا في صنع مشروعنا الحضاري الحديث فيه. والثالث، هو انه يعزلهم عن الدور السياسي الوطني الذي لعبوه في كل مشروع للتحرر والاستقلال والوحدة عرفته المنطقة (...)

فسوى إحترام الخصوصيات، والحريات الفردية، والمعاملة بالمثل كمواطنين متساوين، لم يطالب المسيحيون العرب لا بكيان ولا بحقوق خاصة ولا بحصص ولا امتيازات، ولا سعوا الى إقامة إمارة، ولا طالبوا بوزارة. لماذا؟ لأنهم عرب. ولأنهم كانوا وما يزالون ينظرون الى انفسهم، ليس كجزء من هذه القومية فحسب، بل لأنهم في قلبها أيضا. وفي الواقع، وبمقدار ما يتعلق الأمر بالمشروع التحرري القومي من الإستعمارين العثماني والغربي، فقد كان مشروعا لعب فيه المسيحيون العرب دورا متقدما، فكرا وتنظيما، لا يستطيع ان ينكره مسلمو ذلك الدور أنفسهم.

وفي مواجهة هجمة التتريك العثمانية، حفظت أديرتهم كتب التراث العربي، كما لو انها كانت تحافظ بها على حقها في الوجود، وبنى المسيحيون المدارس والمعاهد لتدريس اللغة العربية، في غير مكان واحد، لانها كانت صوت ثقافتهم و"تميزهم" القومي الخاص.

وحينما وضع الأتراك قوميتهم فوق ديانتهم، كان المسيحيون العرب هم الذين رفعوا لواء العروبة وهم الذين سارعوا الى تذكير المسلمين بمكانتهم كـ"خير أمة أخرجت للناس"، وكعرب، فقد كان المسيحيون جزءا من هذه الأمة، وجزءا من خيرها.

وهكذا، فعندما سكن جورج انطونيوس القدس اختار منزلا في جوار منزل الحاج امين الحسيني في حي "الشيخ جراح"، على طريق جبل الزيتون المشرف على المدينة المقدسة، ليكون قريبا من المعنى الذي يوحد الديانتين، وهناك كتب كتابه الشهير "يقظة العرب".(...)

وعدا الفكر والثقافة والأدب، فقد لعب المسيحيون العرب دورا مشهودا، ومتميزا، في كل مجال أبداعي من مجالات الفن أيضا.

أفيجوز أن يُظلموا ويُظلم أبناؤهم في وطنهم؟ وهل بهذا الظلم لا يَظلم المسلمون، بهم، إلا أنفسهم؟

ولكنهم اليوم يُهجّرون من ديارهم، ويعاملون بتمييز، ويُعزلون، وتوضع على حقوقهم وحرياتهم قيود وشروط، وهناك بيننا (بعض ممن ليس لديهم ضمير ولا ذمة) من ينظر اليهم على انهم "أهل ذمة"، ليعاملهم كـ"أقلية".

وهل هم "أقلية"؟

إذا كان المسيحيون العرب "أقلية"، فأقلية هم طرفة بن العبد وأمرؤ القيس والنابغة الذبياني. وهؤلاء مسيحيون. ولا أدري كيف يمكن ان تكون الثقافةُ العربيةُ عربيةً من دونهم. بل لا أدري أي ثقافة ستكون؟ كما لا أدري أي عرب ولا أي مسلمين سنكون؟

لقد نصر المسيحيون الأوائل محمدا (ص) عندما كان أهله يحاربونه. وهم حموه وحموا أتباعه، عندما كان أهله يريدون قتله وقتلهم.

وها ان هناك بيننا من يرد لأبنائهم هذا "الدَين"، ظلما وتهجيرا، بل حرقا للكنائس وقتلا لرجال دين، كما هو حاصل في العراق؛ وحرمانا وتمييزا، كما هو حاصل في غير بلد عربي واحد.

ولئن حارب المسيحيون العرب الاستعمار العثماني، بإسم القومية العربية، فقد فعلوا الشيء نفسه في وجه الإستعمار الغربي أيضا.

لا دين العثمانيين كان هو القضية في مشروع التحرر القومي، ولا دين الغربيين. القضية كانت، بالنسبة لرواد مشروع النهضة، هي قضية التحرر من الإستعمار والهيمنة الأجنبية. من هذا المنطلق فقط كان قسطنطين زريق وجورج حبش من أوائل الذين أسسوا حركة القوميين العرب. ومن هذا المنطلق نفسه انجبت حركة النضال من اجل الوحدة القومية وتحرير فلسطين مناضلين، بالآلاف، من قبيل وديع حداد ونايف حواتمة وصلاح البيطار وميشيل عفلق وانطون سعادة ونجاح واكيم وجورج حاوي وصولا الى البطريرك ميشيل الصباح وأميل حبيبي وحنان عشراوي، ووصولا الى جوزيف سماحة وسمير قصير.

مسيحيون، نعم، ولكنهم نصروا محمدا (ص) حتى ضد أهله، ونصروا العرب المسلمين ضد المستعمرين حتى عندما كان أولئك المستعمرون مسيحيين!

وتقول أدلة التاريخ ان الغزاة الصليبيين عندما اجتاحوا القدس عام 1099، فانهم لم يقصروا مذابحهم على المسلمين، بل ذبحوا معهم المسيحيين أيضا. (...)

إن وجود المسيحيين بين العرب هو وحده الذي يقدمهم كأمة ذات طبيعة قومية لا كمجرد مجموعة دينية. فالأمم الحديثة، حتى وان كان الدين عنصرا حيويا في وجودها، إلا انها لا تقوم على أساس ديني من دون ان تجد نفسها في حرب مع كل دين. وهذا ليس من الإسلام في شيء.

احموا مسيحييكم، تحموا عروبتكم. بل احموا مسيحييكم، لتحموا دينكم نفسه من التمزق الطائفي.

انهم ملحنا. وهم منا ونحن منهم، فلماذا يُظلمون؟

علي الصراف